ابن المقفع

189

آثار ابن المقفع

للبوم شديد الهيبة وإن أضربن عن قتالنا « 1 » وقد كنت أهابها قبل ذلك . فإن الحازم « 2 » لا يأمن عدوه على كل حال ، فإن كان بعيدا لم يأمن سطوته وإن كان مكثبا « 3 » لم يأمن وثبته « 4 » ، وإن كان وحيدا لم يأمن مكره . وأحزم الأقوام وأكيسهم « 5 » من كره القتال لأجل النفقة فيه ، فإن ما دون القتال النفقة فيه من الأموال والقول والعمل . والقتال النفقة فيه من الأنفس والأبدان وربما اكتفي عنه بالنفقة اليسيرة والكلام اللين . فلا يكونن القتال للبوم من رأيك أيها الملك فإن من قاتل من لا يقوى عليه فقد غرر بنفسه . فإذا كان الملك محصنا « 6 » للأسرار متخيرا « 7 » للوزراء ، مهيبا في أعين الناس ، بعيدا من أن يقدر عليه كان خليقا أن لا يسلب صحيح ما أوتي « 8 » من الخير . وأنت أيها الملك كذلك . والملك يزداد برأي وزرائه بصيرة كما يزيد البحر بمجاوره من الأنهار . وقد استشرتني في امر جوابك مني عنه في بعضه علني وقد أجبتك به وفي بعضه سري . وللأسرار منازل ، منها ما يدخل فيه الرهط « 9 » ، ومنها ما يستعان فيه بالقوم ، ومنها ما يدخل فيه الرجلان ، ولست أرى لهذا السر على قدر منزلته ان يشارك فيه إلا أربعة آذان ولسانان . فنهض الملك من ساعته وخلا به فاستشاره ، فكان أول ما سأله عنه الملك أنه قال : هل تعلم ابتداء ما بيننا وبين البوم ؟ قال : نعم ، كلمة تكلم بها غراب . قال الملك : وكيف كان ذلك ؟

--> ( 1 ) اضربن عن قتالنا : اعرضن عنه . ( 2 ) الحازم : السديد الرأي . ( 3 ) مكتبا : قريبا . ( 4 ) وثبته : هجمته . ( 5 ) اكيسهم : من الكيس بمعنى العقل . ( 6 ) محصنا : كاتما . ( 7 ) متخيرا : منتقيا . ( 8 ) أوتي : أعطي . ( 9 ) الرهط : قوم الرجل وقبيلته .